جمال الدين بن نباتة المصري

407

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وليس الأمر كذلك ، وإنما مراد الفرزدق أنّ هندا هي التي وفت لأختها جمعة ابنة الخسّ ، لا أنها هند ابنة النعمان . وكانت ابنة الخسّ قد زنت بعبد لها فليمت ، وقيل لها : ما حملك على الزنا ؟ فقالت : قرب الوساد ، وطول السّواد . والسّواد : السّرار . يقال : ساودته إذا ساررته ، وفي الحديث : « السّواد من السحر » ، وألحق بعض الرواة في قولها : « وحبّ السّفاد » ؛ لأنّ أباها كان قد منعها من الزواج . ولها أسجاع كثيرة ، وشعر قليل ، وكانت تحاجى « 1 » الرّجال إلى أن مرّ بها رجل ، فسألته المحاجاة ، فقال لها : « كاد . . » فقالت : « كاد العروس يكون أميرا » فقال : « كاد . . » ، فقالت : « كاد المنتعل يكون راكبا » ، فقال : « كاد . . » فقالت : « كاد البخيل يكون كلبا » وانصرف . فقالت له : أحاجيك ؟ فقال : قولي ؛ فقالت : « عجبت . . . » ، فقال : « عجبت للسبخة لا يجفّ ثراها ، ولا ينبت مرعاها » ، فقالت : « عجبت . . . » فقال : « عجبت للحجارة لا يكبر صغيرها ، ولا يهرم كبيرها » فقالت : « عجبت . . . » فقال : « عجبت لحفرة بين فخذيك ، لا يملأ حفرها ، ولا يدرك قعرها » فخجلت وتركت المحاجاة « 2 » . ومن أسجاعها ، ما قيل : أىّ الخيل أحبّ إليك ؟ قالت : ذو الميعة الصنيع « 3 » السّليط التليع « 4 » ، الأيّد الضّليع ، الملهب السّريع « 5 » ، فقيل لها : أىّ الغيوث أحبّ إليك ؟ قالت : ذو الهيدب المنبعق « 6 » ، الأضخم المؤتلق الصخب المنبثق « 7 »

--> ( 1 ) يقال : حاجيته محاجة : فاطنته فغلبته . ( 2 ) أورد هذه القصة الحريري في درة الغواص 55 ونسبها إلى امرأة من الجن . ( 3 ) ماع الفرس : جرى على الأرض منبسطا في هينة . ( 4 ) السليط : الشديد . والتليع : الرافع رأسه . ( 5 ) الأيّد : القوى . والضليع : التام الخلق . والملهب : الذي يجتهد في عدوه . ( 6 ) المنبعق : السحاب المتصبب بشدة . ( 7 ) المؤتلق ، من ائتلق البرق ؛ إذا أضاء ، والمنبثق : المنفجر .